لماذا نتصرف كما نتصرف؟ ما يقوله علم الدماغ عن سلوكنا وقراراتنا

Nov 29, 2025

 

كثيرًا ما نجد أنفسنا نتصرف بطريقة نفاجئ بها أنفسنا. نؤجل قرارًا نحن متأكدون أنه مهم، أو نغضب في موقف بسيط، أو نندفع نحو فكرة جديدة بحماس غير مفهوم، أو نفقد الرغبة في التطوير لفترات طويلة. وقد نعتقد أن السبب يعود فقط إلى الشخصية أو العادات أو الظروف، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. فخلف كل سلوك نتبناه، وكل قرار نتخذه، وكل خوف أو دافع نشعر به، هناك آليات دقيقة داخل الدماغ تتحكم في طريقة إدراكنا وتصرفنا. فهم هذه الآليات يجعلنا نفهم أنفسنا بدرجة أعمق، ويمنحنا القدرة على تحسين حياتنا بشكل جذري.

 

خلال السنوات الماضية، قدم علم الأعصاب نموذجًا بالغ القوة والوضوح، يساعدنا على تفسير كثير مما يحدث بداخلنا: نموذج الشبكات الثلاث في الدماغ – The Triple Network Model. هذا النموذج يؤكد أن معظم قراراتنا وسلوكياتنا اليومية تتحكم فيها ثلاثة أنظمة كبرى داخل الدماغ، تعمل باستمرار وتتفاعل مع بعضها البعض. هذه الشبكات ليست مجرد مناطق منفصلة، بل دوائر عصبية كاملة، تتغير قوتها وتأثيرها حسب الحالة النفسية والتجربة التي نمر بها.

 

الشبكة الأولى هي شبكة السالينس، ويمكن اعتبارها “الرادار الداخلي” الذي يحدد ما يجب أن ننتبه إليه الآن. هذه الشبكة تشتعل عندما نشعر بتهديد أو ضغط أو غموض، وهي المسؤولة عن رفع مستوى اليقظة والدفاعية. أبحاث مثل دراسة Seeley عام 2007 ودراسة Uddin عام 2015 أوضحت أن هذه الشبكة هي التي تدفع الدماغ إلى وضعية “التصرف السريع” بدلًا من “التفكير العميق”. عندما تنشط هذه الشبكة بقوة، يصبح العقل في حالة استعداد للهجوم أو الهروب، ويبدأ في تضييق دائرة الانتباه. في هذه اللحظات قد نتصرف بانفعال، أو نبالغ في الحذر، أو نشعر بأن الأمور أكبر مما هي عليه، أو نتخذ قرارات قصيرة المدى فقط لأن العقل في وضعية طوارئ.

 

الشبكة الثانية هي شبكة التحكم التنفيذي، وهي الشبكة التي نحتاجها عندما نفكر بعمق ونحلل ونخطط. هذه الشبكة تعتمد على الفص الجبهي، وهي المسؤولة عن التفكير المنطقي، وضبط الانفعالات، واتخاذ القرارات الهادئة، ورؤية الصورة الكبيرة. الأبحاث المنشورة في مجلات مثل Trends in Cognitive Sciences (Menon, 2011) أظهرت أن هذه الشبكة هي المحور الأساسي الذي يجعل الإنسان قادرًا على القيادة والتكامل واتخاذ الخيارات الحكيمة. المشكلة أن شبكة التحكم التنفيذي تتراجع قوتها مباشرة عندما تنشط شبكة السالينس. ولهذا نجد أنفسنا أحيانًا نقول: “أنا أعرف القرار الصحيح… لكني لا أستطيع اتخاذه الآن”. ليست المشكلة في المعرفة، بل في حالة الشبكات العصبية.

 

أما الشبكة الثالثة فهي شبكة الوضع الافتراضي، التي تعمل عندما نهدأ أو نسافر أو نمشي وحدنا أو نجلس قرب البحر أو نستحم أو نسترخي قليلًا. اكتشف العلماء هذه الشبكة لأول مرة في دراسة شهيرة لـ Raichle عام 2001، وهي الشبكة التي تولّد الإبداع والخيال والرؤية المستقبلية. عندما تنشط هذه الشبكة تظهر الأفكار الجديدة، ونشعر بحماس لتغيير حياتنا، ونفكر في مستقبلنا بوضوح، ونضع خططًا جديدة. ولهذا نجد أن السفر أو التأمل أو الجلوس مع النفس يولد رغبة قوية في التطوير، لأن شبكة الإبداع والرؤية تستيقظ بعد فترة طويلة من انشغال الدماغ بالضغوط.

 

التفاعل بين الشبكات الثلاث هو ما يفسر سلوكنا اليومي. تحت الضغط ترتفع شبكة السالينس وتنخفض الشبكتان الأخريان، فنفقد الإبداع ونصبح أقل قدرة على التفكير الهادئ. في أوقات الهدوء تعود الشبكة التنفيذية للعمل بكفاءة، وتبدأ شبكة الوضع الافتراضي في توليد رؤى جديدة. وفي البيئات الجديدة أو أثناء السفر يحدث مزيج مدهش: تنخفض شبكة التهديد، وتعود الشبكة التنفيذية، وتستيقظ شبكة الإبداع، فنخرج بأفكار جديدة ورغبة قوية في تغيير حياتنا.

 

فهم هذه الديناميكية العصبية يغير نظرتنا لأنفسنا بشكل كامل. عندما نفهم أن تأجيل القرارات ليس ضعفًا، بل نتيجة ارتفاع شبكة التهديد، نستطيع أن نهدأ بدلًا من جلد الذات. عندما نعرف أن انخفاض الإبداع ليس “عطلًا ذاتيًا” بل نتيجة إرهاق الشبكات العصبية، نستطيع أن نمنح أنفسنا وقتًا للاستشفاء. وعندما نفهم أن السفر أو التأمل أو تغيير البيئة يساعدنا لأن الدماغ يعيد ترتيب شبكاته، ندرك أن العادات التي تمنحنا الإلهام ليست رفاهية بل ضرورة.

 

في النهاية، السلوك الإنساني ليس لغزًا. إنه انعكاس لكيفية عمل الدماغ لحظة بلحظة. عندما نفهم هذه الشبكات الثلاث، نفهم أنفسنا أكثر، ونتعامل مع مشاعرنا بذكاء أكبر، ونصبح قادرين على اتخاذ قرارات أفضل، ونمنح حياتنا اتجاهًا أكثر وعيًا واتزانًا. ومع كل معرفة جديدة عن الدماغ، نكتشف أن فهم الذات ليس رحلة معقدة كما نظن… بل رحلة تبدأ من الداخل، من حيث يعمل كل شيء: العقل.

مكتبة مقالات النجاح

واصل الان رحلة التعرف على مفردات النجاح من خلال مكتبة المقالات

انتقل الان